ابن رشد

87

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

ضرورية للخير الكثير الصادر عنها كالضوء والدفء ، الضروريين لحياة الإنسان والحيوان والنبات الخ . . . * * * هناك قضايا أخرى ناقشها ابن رشد بتفصيل وكانت جزءا من مباحث " علم الكلام " ، مثل " بعث الرسل " و " المعاد وأحواله " ، و " قانون التأويل " ، الذي جعله خاتمة لكتابه . وسيطول بنا القول إذ نحن تتبعنا مناقشته لآراء المتكلمين في هذه المسائل ، فلنقتصر على إيجاز رأيه في النبوة . ففيه جدة مع نوع من الواقعية الاجتماعية التاريخية ، وهو يندرج في إطار المسألة التي عرضنا لها سابقا مسألة " الدين والمجتمع " . كان المتكلمون يستدلون على نبوة النبي بما يأتيه من معجزات . والمعجزة عندهم عمل " يخرق العادة " ، أي يتجاوز نظام السببية . يناقش ابن رشد هذا الاستدلال فيبين ضعفه : إذ يجب أن يعترف الخصم بظاهرة النبوة أولا ، حتى نقول له إن من ظهرت على يديه معجزة فهو نبي . هذا إذا اعترف لنا بخصوصية المعجزة واختلافها عما يأتيه السحرة الخ . . . ولذلك يرى ابن رشد أن الطريق الصحيح في هذه المسألة هو كما يلي : أما إثبات بعثة الرسل ، أي وجود الأنبياء ، فهذا أمر لا نحتاج فيه إلى استدلالات نظرية . فوجود الأنبياء ظاهرة تاريخية : لقد تواتر الخبر عن وجود الأنبياء في الماضي ، جيلا عن جيل ، كما تواتر الخبر عن وجود الفلاسفة والعلماء والفاتحين الخ . . . وإذا كنا لا نشك في وجود الحكماء مثل سقراط وأفلاطون ، مثلا ، فلما ذا نشك في وجود الأنبياء ؟ وإذا قيل : نحن نعرف وجود الفلاسفة ، مثلا ، من خلال ما تركوه من مؤلفات أو روي عنهم من آراء ، فبما ذا نعرف الأنبياء الحقيقيين ؟ وكيف نميزهم عن غيرهم من مدعي النبوة ؟ يجيب ابن رشد نحن نعرفهم بالشرائع التي يأتون بها والتي تستهدف الخير والفضيلة . فليس بوسع كل إنسان وضع شرائع كشرائع الأنبياء ! وإذن فكل من قال عن نفسه إنه نبي رسول من الله ، وجاء بشريعة من جنس شرائع الأنبياء تتفوق في العادة على ما يمكن أن يأتيه مطلق الناس في عصره ، مما يشبهها ، فهو نبي . وبما أن الناس ليسوا جميعا من الذكاء والعقل والفضل بحيث يمكن أن نتصورهم يلتزمون الفضيلة من عند أنفسهم ، فإن الأنبياء والرسل هم من هذه الناحية ضرورة اجتماعية .